القاضي عبد الجبار الهمذاني

110

المغني في أبواب التوحيد والعدل

يكون خطابه تعالى مرتبا على هذا الوجه ، وأحد ما اعتمد عليه في إسقاط أسئلتهم في هذا الباب أنه : قد ثبت أن شرائع الأنبياء عليهم السلام مختلفة ، وأن في شريعة آدم إباحة تزوّج الأخ بالأخت ، وفي شريعة إبراهيم إباحة تأخير الختان إلى حال الكبر ؛ وفي شريعة إسرائيل إباحة الجمع بين الأختين ، وكل ذلك مخالف لشريعة موسى عليه السلام فإن كان الّذي أورده من الدلالة يمنع من جواز نسخ شريعة موسى بشريعة نبينا صلى اللّه عليهما فيجب أن تكون مانعة مما ذكرناه ؛ وإن كان من حق هذا النسخ أن يكون بداء فكذلك للقول في ذلك النسخ ؛ وعند هذا السؤال الّذي لا محيص لهم منه اختلفوا ؛ فمنهم من قال : إن الشريعة واحدة ، ولم يقع فيها اختلاف ؛ ودعا بعضهم ذلك إلى أن قال : إنا لا نسلم أن آدم كان يزوّج بناته من بنيه ، بل كان في زمنه آدم ثان يزوّج كل واحد منهما بناته من بنى صاحبه ؛ ودعا بعضهم إلى أن قال : إن هذا ليس بشرع ، وهو إباحة عقلية ؛ وكذلك القول في سائر ما أوردناه عليهم . . قالوا وإنما تمنع من اختلاف الشرائع ، فأما أن يكون في شرائعهم زيادات ، لم تكن من قبل في شريعة غيرهم ، فذلك ما لا تأباه ؛ وقد اعتمد شيوخنا على أن الشرائع مختلفة ؛ على أنها لو كانت متفقة كان لا وجه لإضافة الشريعة إلى كل نبي ، لأن موسى عليه السلام ، على هذا القول يؤدى شريعة من تقدم ، لا أنه يبتدئ بشريعة ، والمؤدى لشرع غيره لا تضاف إليه الشريعة ، وإنما تضاف إلى من لا تعلم إلا من جهته ، ولذلك لا يضيف القوم شريعة موسى إلى من جاء بعده ، مثل « يوشع بن نون » وغيره ، لما اعتقدوا أنهم يؤدون شريعته ، ولا يبتدون بها ، فإذا صحت إضافتهم الشريعة إلى موسى عليه السلام فقد ثبت أن الشرائع مختلفة . . والتعلق بهذا يضعف ، لأن لهم أن يقولوا : إن الشرائع واحدة ، وإنما تقع الإضافة لزيادات يختص بها النبي الثاني ، لا تعلم تلك الزيادات